القرطبي
308
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ألا زارت أهل منى هجود * وليت خيالها بمنى يعود آخر : ألا طرقتنا والرفاق هجود * فباتت بعلات ( 1 ) النوال تجود يعنى نياما . وهجد وتهجد بمعنى . وهجدته أي أنمته ، وهجدته أي أيقظته . والتهجد التيقظ بعد رقدة ، فصار اسما للصلاة ، لأنه ينتبه لها . فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم . قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم . وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد ! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة . كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : الهجود النوم . يقال : تهجد الرجل إذا سهر ، وألقى الهجود وهو النوم . ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا ، لان المتهجد هو الذي يلقى الهجود الذي هو النوم عن نفسه . وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتحرج وتأثم وتحنث وتقذر وتنجس ، إذا ألقى ذلك عن نفسه . ومثله قوله تعالى : " فظلتم تفكهون ( 2 ) " معناه تندمون ، أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم ، وهي انبساط النفوس وسرورها . يقال : رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك . والمعنى في الآية : ووقتا من الليل اسهرته في صلاة وقراءة . الثانية - قوله تعالى : ( نافلة لك ) أي كرامة لك ، قاله مقاتل . واختلف العلماء في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته ، فقيل : كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله : " نافلة لك " أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة . قلت : وفى هذا التأويل بعد لوجهين : أحدهما - تسمية الفرض بالنفل ، وذلك مجاز لا حقيقة . الثاني - قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس صلوات فرضهن الله على العباد " ، وقوله تعالى : " هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدى " وهذا نص ، فكيف يقال : افترض عليه صلاة زائدة على خمس ، هذا ما لا يصح ، وإن كان قد روى عنه عليه السلام : "
--> ( 1 ) العلة ( هنا ) : ما يتعلل به ، مثل التعلة . ( 2 ) راجع ج 17 ص 217 .